اسماعيل بن محمد القونوي
120
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
كانت العلة مشتركة وهنا كذلك لاشتراك الثقلين الجن والإنس في الابتلاء بالقوة الشهوية والغضبية الأولى تؤدي إلى الفساد في الأرض كالزنا والثانية تؤدي إلى سفك الدماء والاستعلاء فلما شاهدوا أن الجن تعاطوا للفساد والقتل للقوتين المذكورتين قاسوا الإنسان عليهم لتحقق القوتين فيه أيضا ثم نقل هنا وجها آخر وهو أنهم لما سمعوا لفظ خليفة فهموا منه أن في المجعول من يفسد إذ المقصود من الخلافة الإصلاح وهذا ضعيف لأن الخليفة لا سيما خليفة اللّه تعالى المقصود الأعظم منه تكميل النفوس وتنفيذ الأحكام ويسلم أن الإصلاح مقصود لكن المتبادر الإصلاح أولا لا الإصلاح بعد الإفساد والقتل والعناد والخلافة لا دلالة لها على ذلك أصلا وكيف لا وهم يرجون الخلافة ويدعون أنهم أحقاء بالعلم بمراسم السياسة فكيف فهموا من لفظ الخليفة ذلك « 1 » ولو أراد بأن الخليفة مع ابتلائهم بالقوتين المذكورتين فهو عين ما سبق ولا مدخل للفظ الخليفة في ذلك وأيضا يرد عليه أنه لو سلم ذلك فما فهم من الخليفة صدور الذنب من نوع بني آدم وليس بمطلوب والمطلوب صدور القتل وخصوص الفساد منهم وليس بمفهوم وإن تشبث بمثل ما ذكر سابقا فراجع إليه فيكون تطويلا بلا طائل وأما ما قيل في رد ذلك من أنه يجوز الخلافة لدفع فساد من بقي من الجن في الجزائر بعد تفريق الملائكة فيها أو يكون إصلاحا لفساد نفس الأرض بإنبات الأشجار وشق الأنهار فلا يخفى وهنه لأنه يوهم أن الملائكة لا يقدرون على ذلك مع أنه سلم أولا أنهم دمروهم وفرقوهم ولأنه يشعر بتسليم أن الخليفة يفهم منه ما ذكره القيل وقد بان خلافه ولأن المقصود الأهم تكميل النفوس وتنفيذ أوامره تعالى وقصر المراد من الخلافة على عمارة الأرض على ما فهم من بيانه في غاية من القصور ( والسفك والسبك والسفح والشن أنواع من الصب ) لكن فرق بينها فقيل ( السفك يقال في الدم والدمع والسبك في الجواهر المذابة والسفح في الصب من أعلى والشن في الصب عن فم القربة ونحوها وكذلك السن ) فذكر الدماء بعد السبك إما تجريد أو تأكيد أو بيان الاستعمال إن لم يقل إنه جزء من مفهومه والشن في الصب عن فم القربة ونحوها مما يوجب العنف في تفريق الماء وكذلك السن والشن بالشين المعجمة والسن بالسين المهملة كلاهما بمعنى واحد وقيل في الصحاح وكذلك سننت الماء على وجه التراب سنا أي أرسلته إرسالا من غير تفريق فإذا فرقته في الصب قلت بالشين المعجمة ( وقرىء يسفك على البناء للمفعول فيكون الراجع إلى من سواء جعل موصولا أو موصوفا محذوفا أي ويسفك الدماء فيهم ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ) . إبليس وكان اسمه عزازيل حتى هزموا الجن ولما كانت تلك الواقعة معلومة للملائكة وقد كانوا عرفوا في ذلك أن الجن في جبلتهم الإفساد قاسوا آدم وذريته عليهم لأنهم حين وجدوا يكونون أحد ثقلي الأرض .
--> ( 1 ) ولو فهموا ذلك من الخلافة لزم أن يكونوا راضين بأن يكونوا خلفاء على أهل الفساد وسفك الدماء .